وكالة المعلومة | خبر لا يحتاج توثيقاً
الاثنين 4/ربيع الأول/1438 هـ 2016/12/05 م

آخر تحديث : 07:36 بغداد




أردوغان : سياسة فرش البساط العصمنلي بالنقش الوهابي !


قلم

 

كتب /  نجاح عباس رحيم …

دأب الرئيس أردوغان منذ ظهوره في المشهد السياسي , من خلال حزب ” السلامة أو الخلاص الوطني ” الذي أسسه نجم الدين أربكان وقيادته الموقع الشبابي المحلي , بأتباع خطوات سياسية غير مألوفة لدى الشعب التركي الذي أعتاد على الصبغة العلمانية والديمقراطية الكمالية التي أسسها كمال أتاتورك والتي وضعت الإسلام , بل محته إن صح التعبير بكل تعاليمه في العمل السياسي ومجالات الحياة الاجتماعية كافة , إذ أن أتاتورك الذي يعتبر مؤسس تركيا الحديثة ألغى كتابة اللغة التركية بالحروف العربية , واستبدالها بالحروف اللاتينية , وجعل الآذان باللغة التركية , وألغى كل الاحتفالات الخاصة بالمناسبات الدينية من أجل أن يَسِمْ تركيا بوشم الغرب ليندمج معه . ولو نتصفح التأريخ نرى أن الغرب وعلى رأسه بريطانيا امتنعت عن الاعتراف بدولة تركيا الحديثة إن لم تتخلى عن الخلافة الإسلامية وأتباع النهج الديمقراطي العلماني في إدارة مفاصل الدولة كافة , وهذا ماقام به أتاتورك وحققه للغرب .

فعند توليه السلطة منذ 2002 كرئيس للوزراء , شرع أردوغان برسم سياسة هادئة في الالتفاف على تعاليم أتاتورك من خلال كسب الجماهير المسلمة ومنهم العلويون بشكل خاص كونهم يؤلفون 15% من سكان تركيا الذين سمح لهم في أداء احتفالاتهم الخاصة بمناسبة عاشوراء مما جعله الأقوى في حزب العدالة والتنمية , وحتى بلوغة رأس الهرم في تركيا كرئيس للدولة . ثم تلا ذلك عمله على الاستقرار والأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تركيا، ومد جسور التواصل مع الأرمن بعد عداء تاريخي، وكذلك فعل مع اليونان في النزاع القبرصي وجزر بحر إيجة ، وفتح صفحة جديدة مع أذربيجان ، وبدأ تعاونه مع العراق وسوريا ، وفتح أبوابا اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية مع الغرب . وفي ناحية أخرى فقد أعاد تسمية المدن والقرى الكوردية بأسمائها الأصلية بعد أن خضعت للحظر فترة طويلة وسمح بالخطبة باللغة الكوردية أيضا , تماما مثل خطوات صدام حسين عند مجيئه إلى السلطة في العراق ولكن بشكل معاكس , إذ أن الأخير ركز على محو الهوية الإسلامية واستبدالها بالهوية العلمانية البعثية وحارب الكورد والشيعة وتم الحظر على جميع عاداتهم الموروثة وخاصة في عاشوراء وتحول إلى دكتاتور بعد تنكيله بكل الطوائف التي وقفت ضد سياسته التعسفية التي توجها في آخر المطاف بواقعة احتلال الكويت التي وضعت النهاية لحكمه.

كان هذا هو الانطباع السائد في الشارع التركي والأوساط السياسية الدولية وخاصة دول الاتحاد الأوربي التي بدأ تخوفها يتعاظم يوما بعد يوم بسبب صبغته الإسلامية وتشجيعه للحجاب مما حدا بالغرب أن يشترط عكس ذلك لقبوله , إذ أن الاتجاه الذي سلكه أردوغان توضح فيما بعد ليعرف بسياسة إعادة الشعب التركي لتبني التعاليم الإسلامية بنفس المعايير التي سادت في عهد الإمبراطورية ولكن بثوب الوهابية الجديد الذي أخذ يبزغ نجمه من نجد والحجاز ليكوّن الصراع الذي تقوده السعودية وحلفائها من العرب الذين يؤيدون سياستها في إطار مجلس التعاون الخليجي. وهذا بالطبع فسِّر لدى الأوساط السياسية المحلية بأنها ثورة مضادة على الإيديولوجية الكمالية لتشبه إلى حد بعيد عصر إعادة الملكية في بريطانيا 1660 وتنصيب الملك جارلز الثاني بعد أن خلت بريطانيا من ملوكها بسبب الثورة التي قادها أولفر كرمول Oliver Cromwell. إن بعث التقاليد الإسلامية بشكل تدريجي في بادئ الأمر أوحى لفصائل المعارضة أن أردوغان يريد التقارب مع محيطه العربي لتعزيز مكانته الدولية والاشتراك في الصراع الجيوسياسي , الذي أوجدته الدول الكبرى في منطقة الشرق الأوسط , كلاعب لايقل مكانة عن أمريكا وروسيا في منطقة الشرق الأوسط لاسيما أن تركيا عضوا فاعلا في حلف شمال الأطلسي وهي البداية لعودة ( = بعث ) صورة العهد العثماني, وهذا يعني ضرب عصفورين بحجر واحد وهذا ماحدث بالضبط في تركيا. فقد بدأ أردوغان ذلك فعلا في عملية السفينة ” مرمرة ” 2010 التي أرسلت بواسطتها المساعدات إلى قطاع غزة وقد وحدث على أثر ذلك نزاعا بينها وبين الكيان الإسرائيلي ما أدى إلى قطع العلاقات وسحب السفراء . من هنا برز أردوغان كقائد إسلامي وهابي يمكن أن يعوّل عليه في قيادة الإسلام السياسي بشقه السعودي المهيمن في منطقة الشرق الأوسط والحليف للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على حد سواء.

أن تبني أردوغان لهذه السياسة بمعاونة حلفائه في حزب العدالة والتنمية نجم عنها سحب البساط العلماني تدريجيا وأعاد إلى الأذهان فترة الحكم العثماني الذي أمتاز بالاستبداد وغزو أراضي الدول المجاورة وقمع الحريات في تحد متعمد للغرب الذي لا يستسيغ هذه الإستراتيجية الجديدة فوقعت خلافات لا تتسع المقالة لذكرها .

أدركت المعارضة التركية ذلك الطريق الجديد الذي ستسير فيه تركيا بقيادة أردوغان , وهو بالطبع طريق الدكتاتورية والاستبداد البديل عن الديمقراطية , لذلك تصدت الصحافة التركية بالنقد الشديد لسياسته كرد واضح ومضاد له ما أدى لاحقا إلى إغلاق العديد من الصحف وزج العديد من رؤساء تحرير الصحف في السجون ومحاولة تفعيل قوانين الإعدام وأمتعاظ الغرب للتحول الذي يقوده أردوغان ودعت إلى عدم قبوله ضمن دول المجموعة الأوربية التي يلهث في سعيه ليل نهار من اجل الانضمام إليها, علما أن أول عمل قام به الغرب للتذكير بدكتاتورية العثمانيون هو اعتراف ألمانيا بمجزرة الأرمن 1915 وقد شاركت بالتصويت على ذلك جميع أحزاب الحكومة الألمانية , إضافة إلى بث برنامج الدكتاتور في قناة DW الألماني الذي بدا واضحا في التعريف بأردوغان وإجراءاته القمعية ضد الصحافة وحرية الرأي . وقد هدد أردوغان النواب الألمان الذين ينحدرون من أصول تركية بسبب تصويتهم على قرار الأعتراف بالقتل ووصفهم ب ” ذوو الدماء الفاسدة ” .

أما الخطوات السياسية اللاحقة التي اتبعها أردوغان فهي البدء بالتدخل عسكريا في الشأن السوري ليكون طرفا في الصراع من خلال احتضان وزج العناصر الوهابية المتشددة الذين جاءوا من أصقاع الأرض مع أعداد كبيره من مواطني بلده الذين يؤيدون الفكر الوهابي نفسه لأجل قلب نظام الحكم في سوريا وليقود مع حلفائه من آل سعود والبعض من دول الخليج صراعا مذهبيا مزعوما مدعوما من رجال الدين الطائفيين في نجد والحجاز وفتاوهم التكفيرية في إباحة قتل الشيعية بشكل خاص في كل مكان في العالم تحت ذرائع ملفقة بعيدة عن روح الأخوة العربية والإسلامية . في خضم ذلك لفق أردوغان أنقلابآ عسكريا من أجل الإطاحة بكل العسكريين والأحزاب ألمعارضه لسياسته الجديدة متبعا اقسي الإجراءات الانتقامية من

سجن وتعذيب وقمع للحريات وتعزيز المواقع السياسية بعناصره الوهابية , وقد بلغ عدد المحالين على التقاعد وتسريح الموظفين والعسكريين والقضاة وأساتذة الجامعات المئات ومازالت أوامر التوقيف والعزل تصدر لتطال أفراد الشعب لحد الآن .

أن سحب بساط أتاتورك بشكل ممنهج وتبني المذهب الوهابي المنحرف والتحالف مع آل سعود الذين باركوا التحاقه بركب الوهابية بعد أن رأوا فيه الخليفة القوي لقيادة هذا الصراع في المنطقة بعد فشل قيادة هذا الفكر الضال في مصر العربية , أنجب إجماعا إقليميا عدا إيران وسوريا ولبنان والعراق واليمن ومصر أن تركيا يمكن أن تلعب الدور الكبير في صراع آل سعود مع إيران بحجج تدخلاتها في شؤون العراق واليمن ولبنان وسوريا وهي عملية لخلط الأوراق في المنطقة لاسيما أن هذه التحالفات تصب في خدمة الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران بالنيابة وجعلها تراقب الأمور عن كثب . لم يكتف أردوغان بتدمير سوريا على يد تنظيم داعش الذي جعله مع الفصائل الإرهابية الأخرى أدوات مرحلية ومفتاح للحصول على المكاسب الإقليمية التي رسمها وخاصة في أراضي العراق الشمالية التي هيأ لها سيناريو إرسال ألفي جندي ليعسكروا في مدينة بعشيقة وإتباع سياسة الغرور والغطرسة في الحوار مع العراق وزج تركيا في الصراع المذهبي , كما يزعم , وهو يعلم أن العراق لم يأخذ الفرصة لبناء جيشه وهذا هو جوهر السبب في تماديه على العراق , إضافة إلى استغلال انشغاله في الحرب مع حليفه الإرهابي أبو بكر البغدادي المجرم وإمداده بالرجال والسلاح وفتح الحدود أمامه وتسهيل بيع النفط والآثار المسروقة , بالاشتراك مع أفراد من عائلته , من سوريا والعراق في الأسواق العالمية بأبخس الأثمان حتى بلغت مدخولات تركيا من هذه السمسرة الدولية إلى أكثر من مليار شهريا وقد كشف أمر ذلك حادثة إسقاط الطائرة الروسية في مشهد أراد فيه استعراض عضلاته الخاوية ولظرف معين ومن ثم عاد إلى رشده بالاعتذار إلى روسيا لاستكمال السيناريو الوهابي وذلك بخلق صراع مذهبي , كما أسلفنا ,داخل العراق بدعم من بعض السياسيين العراقيين الذي باعوا أنفسهم ليكونوا عملاء لأسوأ رجل في تأريخ السياسة التركية وسياسة حسن الجوار .

من هذا العرض يتبين للقارئ المجيد أن الجنرال أتاتورك على نقيض من أردوغان , فهو الذي ألبس تركيا الكساء العلماني ومحا الصبغة الإسلامية وأنشأ دستورا حاميا قويا لهذه الإجراءات وجاعلا العلمانية حجر الزاوية للسياسة التركية لتندمج مع الغرب من ناحية وبسبب حقده على الإسلام والعرب من ناحية أخرى , أما أردوغان , بائع السميط في شوارع اسطنبول الذي ينحدر من عائلة فقيرة جدا , فقد قلب المعادلة منذ بدء مشواره السياسي ودعا إلى العودة إلى الإسلام مما أغضب العلمانيون في حينه وتم سجنه , وبعد إيهام الشعب التركي بترك الحزب الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان الذي كان عضوا فيه , عاد إلى الساحة السياسية حتى وصل إلى قمة الهرم مع عبد الله غول ومن ثم مع داود اوغلو والآن مع صديقه القديم يلدرم ليعود بالعمل في سحب البساط العلماني الذي يراه قديما ليفرش بدلا عنه بساطا أكثر جذبا للدول العربية الإقليمية وبالنقش الوهابي الجديد لبناء عهد جديد أكثر دكتاتورية ووحشية واستعلاء ليليق بعملاء أمريكا وإسرائيل في المنطقة وباندماجه معهم .


اخبار ذات صلة

التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


وكالة المعلومة 2014 - © جميع الحقوق محفوظة